محمود توفيق محمد سعد
290
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
إنّ فقه مواقع الأسماء الحسني في البيان القرآنيّ من أعظم الفقه ، فموقع الاسم فيه كاشف عن لطيف معانيه ، وتدبّر سياقه وموقعه ومناظرته بما قاربه في أصل معناه وسياق مواقعه مفتاح من مفاتيح فهم معاني الأسماء الحسني ذلك الفهم الذي أرى أنّه وجه من وجوه الإحصاء الذي حثّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلم عليه ( إنّ للّه تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنّة ) ( البخاري : التوحيد - فتح : 13 - 332 ) ولو أنّا عمدنا إلى تدبر وتأويل أسماء اللّه الحسنى في الذكر الحكيم : موقعا ومدلولا ودلالة لكان لنا في ذلك من المعاني ما يفتقر كثير من أهل العلم استبصاره ووعيه ، ولعلّ اللّه عزّ وجلّ يسدد ويعين على شيء من ذلك . ومن هذا أيضا أسماء القرآن الكريم ، فقد جاء البيان باسم ( الكتاب ) و ( القرآن ) و ( الفرقان ) . . إلخ ولكلّ موقع ومدلول ودلالة ، وقد كان للبقاعيّ تبعا للحرالي تأمّل لمدلولات تلك الأسماء ودلالاتها ومنازلها في سياق البيان وذلك مما يحمد النظر فيه في مواطنه من تفسيره . * * * ومما أفتقر إلى النظر فيه هنا تربية نفس أمّارة بغير ما ينفع قوله تعالى في سورة ( الهمزة : 1 - 4 ) : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ اصطفى البيان القرآنيّ الحكيم فعل النبذ : " لينبذنّ " واصطفى للنار اسما لم يأت إلا في هذه السورة من أنّ السياق هنا من بعد ما جاء في سورة ( والعصر ) سياق تثقيف النفس الأمارة بعظيم الترهيب من تلك الأفاعيل المحطّمة بنيان الأمة والراغبة عمّا به نجاتها من الخسر بحسن الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، فيكشف " البقاعي " عما بين مدلول مادة هذا الفعل وهذا الاسم وسياقهما من تناسب قائلا :
--> والثلاثة من صفات الفعل إلا إذا أريد بالخالق المقدّر ، فيكون من صفات الذات ؛ لأنّ مرجع التقدير إلى الإرادة ، وعلى هذا فالتقدير يقع أولا ، ثمّ الإحداث على الوجه المقدر يقع ثانيا ، ثمّ التقدير بالتسوية يقع ثالثا ) ) فتح الباري : 13 / 333